ابن سبعين

405

رسائل ابن سبعين

فإنها أرض سوء . فانطلق حتى نصف الطريق أتاه الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاءنا تائبا مقبلا ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط ، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه حكما فقال : قيسوا ما بين الأرض فإلى أيهما كان أدنى فهو له . فقاسوه فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة ، وفي رواية : فكان إلى أهل القرية الصالحة أقرب بشيء قليل فجعل من أهلها » « 1 » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه حرمه اللّه تعالى على النار » « 2 » . وما تعارض في ذلك من النصوص للحكم فيه تردد القلوب بين الخوف للعاصي والرجاء للرحمة ، وينفذ حكم اللّه تعالى على العباد ، والعاقبة للمتقين . وقد حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن السائل إذا جاءه ، وذكر له قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [ النساء : 93 ] الآية إلى آخرها نظر : فإن كان لم يقتل قال : لا توبة للقاتل ، وإن كان قتل قال : له توبة ، فكان يغلظ على من لم يقتل ليكف ، وكان يخفف على من يقتل لئلا ييئس . وقال بعض من نسب نفسه إلى علم التحقيق : قوله عز وجلّ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [ النساء : 93 ] ، وقوله ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] ، خبر ولا يصح النسخ في الأخبار كيفما ترددت ، وإنما معناه جزاؤه إن جازاه ، أو يكون معناه من قتله مستحلا ، أو يكون المراد به رجلا بعينه . فافهم يا أيها المرحوم ، وتلذذ بالرضوان الذي تقدم ذكره ، وآنس نفسك بالإيمان ، واقرأ كلمة : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وتعلّق بالبعض منها وتخلق بالبعض ، واعلم أن معناها عظيم الشأن ، ولأجل شرفها وبما جمعت من الأنس والخير للمكلف قدمت قبل تلاوة كلام القديم والحادث ، وهي وكلها من الحروف المتحابة إلا الأول منها ، وهو منها بالنظر إلى أصله ، وقد تكلم الناس في أمره ، وتقدر أن تقف على ما قيل فيه من هناك ، ولولا خوف التطويل والخروج عن الاشتراط الذي عول عليه في الاختصار كنت نكتب في ذلك ما هو أبسط وأكمل من هذا كله ، والذي يجمل بهذا ويحسن أن يكون منوطا به ،

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2118 ) ، وابن ماجة ( 2 / 875 ) . ( 2 ) رواه أبو داود ( 3 / 190 ) ، وأحمد ( 5 / 233 ) .